Farsi    Arabic    English   

سيرة مختصرة وعرض للماركسية


مقدمة

إن المقال عن كارل ماركس الذي يصدر بشكل كراس كتبته على ما أذكر في عام ١٩١٣ لموسوعة "غرانات" Granat. وقد ألحقت في نهاية المقال قائمة مفصلة إلى حد كاف بالمطبوعات الأجنبية في الأغلب عن ماركس. وهذه القائمة غير واردة في الطبعة الحالية. ثم إن هيئة تحرير الموسوعة قد نبذت لأسباب تتعلق بالرقابة نهاية المقال التي تعرض تكتيك ماركس الثوري. ومع الأسف لا أستطيع أن أورد هنا هذه النهاية لأن المسودة بقيت بين أوراقي في مكان ما في كراكوفيا أو سويسرا. إلا أني أذكر فقط أنني أوردت في نهاية المقال فيما أوردت مقطعا من رسالة ماركس إلى انجلس بتاريخ ١٧ نيسان/أبريل ١٨٥٧ حيث جاءت كلمات ماركس التالية: "سيتوقف كل شيء في ألمانيا على إمكانية دعم الثورة البروليتارية بطبعة ما جديدة لحرب الفلاحين. عندئذ يكون كل شيء على ما يرام." وهذا ما لم يفهمه في سنة ١٩٠٥ مناشفتـنا(*) الذين بلغ بهم الأمر الآن حد خيانة الاشتراكية خيانة تامة والانتقال إلى جانب البرجوازية.

ن. لينين
موسكو ١٤ أيار / ماي ١٩١٨

 

كارل ماركس

ولد كارل ماركس في الخامس من أيار/مايو سنة ١٨١٨ في مدينة ترير بروسيا الرينانية. وكان أبوه محاميا وكان يهوديا ثم اعتنق البروتستانتية في سنة ١٨٢٤. ولم تكن عائلة ماركس الميسورة والمثقفة عائلة ثورية. وبعد أن أتم دراسته الثانوية في مدينة ترير دخل جامعة بون ثم جامعة برلين فدرس الحقوق وبنوع خاص التاريخ والفلسفة. وفي سنة ١٨٤١ أنجز دراسته بتقديم أطروحته الجامعية حول فلسفة أبيقور. أما مفاهيمه فكانت حتى ذلك الوقت ما تزال مفاهيم هيغلية – نسبة إلى هيغل – مثالية. وفي برلين انضم إلى حلقة "الهيغليين اليساريين" (١) (برونو باور وغيره) الذين كانوا يحاولون أن يستخلصوا من فلسفة هيغل استنتاجات إلحادية وثورية.

وعندما تخرج ماركس من الجامعة أقام في مدينة بون حيث كان يأمل بالحصول على منصب أستاذ في الجامعة. ولكن السياسة الرجعية التي كانت تسلكها الحكومة كانت قد أقصت، عام ١٨٣٢، لودفيغ فيورباخ عن منصبه كأستاذ، وعادت في سنة ١٨٣٧، فرفضت من جديد السماح له بدخول الجامعة ومنعت في سنة ١٨٤١ الأستاذ الشاب برونو باور من إلقاء محاضرات في بون. هذه السياسة الرجعية اضطرت ماركس إلى العدول عن الحياة الجامعية. في ذلك الوقت كانت أفكار الهيغلية اليسارية تتقدم سريعا جدا في ألمانيا. وكان لودفيغ فيورباخ قد أخذ، منذ ١٨٣٧ على الخصوص، يوجه النقد إلى علم اللاهوت ويتجه نحو المادية التي أحرزت الغلبة نهائيا عنده في سنة ١٨٤١ (كتاب "جوهر المسيحية") وفي سنة ١٨٤٣ ظهر كتابه "أسس فلسفة المستقبل". لقد كتب انجلس فيما بعد حول هذين المؤلفين لفيورباخ: "كان يجب أن يكون الإنسان قد تحسس بنفسه الأثر التحرري لهذين الكتابين... فلقد أصبحنا نحن جميعا (أي الهيغليين اليساريين بمن فيهم ماركس) دفعة واحدة من أتباع فيورباخ."(٢) وفي ذلك الوقت أسس البرجوازيون الراديكاليون في ريناني، الذين كان لهم بعض نقاط تماس مع الهيغليين اليساريين، جريدة معارضة في مدينة كولونيا باسم "الجريدة الرينانية"(٣) (التي أخذت تصدر ابتداء من أول كانون الثاني سنة ١٨٤٢) وقد دعي ماركس وبرونو باور إلى العمل محريين أساسيين فيها. وفي تشرين الأول/أوكتوبر سنة ١٨٤٢ أصبح ماركس رئيس تحريرها فانتقل من مدينة بون إلى كولونيا. وتحت إدارة ماركس أخذ اتجاه الجريدة الديمقراطي الثوري يزداد وضوحا. فعمدت الحكومة في أول الأمر إلى اخضاع الجريدة لرقابة ثنائية بل ثلاثية ثم أمرت بتعطيلها تماما ابتداء من أول كانون الثاني سنة ١٨٤٣. فاضطر ماركس حينئذ للتخلي عن مركزه في تحرير الجريدة ولكن ذهاب ماركس لم ينقذ الجريدة إذ أنها منعت من الصدور في آذار/ مارس ١٨٤٣. ومن أهم المقلات التي نشرها ماركس في "الجريدة الرينانية"(٤) يشير انجلس إلى مقال حول أوضاع الفلاحين الكرامين في واد الموزيل(٥). وقد أدرك ماركس من نشاطه الصحفي أن معلوماته في الاقتصاد السياسي غير كافية فاندفع بحماسة إلى دراسته.

في سنة ١٨٤٣ تزوج ماركس في كريزناخ من جيني فون ويستفالن، صديقة طفولته التي خطبها وهو ما يزال طالبا. كانت زوجته تنحدر من عائلة نبيلة رجعية بروسية. وكان أخ جيني فون ويستفالن الأكبر وزيرا للداخلية في بروسيا في مرحلة كانت من أشد المراحل إغراقا في الرجعية وذلك بين ١٨٥٠ و ١٨٥٨.

وفي خريف ١٨٤٣ انتقل ماركس إلى باريس ليصدر في الخارج مجلة راديكالية مع أرنولد روغه (عاش أرنولد روغه من سنة ١٨٠٢ إلى سنة ١٨٨٠. وكان هيغيليا يساريا. وسجن من ١٨٢٥ إلى ١٨٣٠ وهاجر بعد سنة ١٨٤٨. وبعد ١٨٦٦-١٨٧٠ أصبح من أنصار بسمارك). ولكن لم يصدر من هذه المجلة المسماة "الحولية الألمانية الفرنسية" سوى العدد الأول إذ اضطرت للتوقف بسبب الخلافات مع روغه(٦). وفي المقالات التي نشرتها هذه المجلة برز ماركس ثوريا ينادي "بانتقاد لا هوادة فيه لكل ما هو كائن" بما في ذلك "الانتقاد بالسلاح"(٧) ويتوجه بالنداء إلى الجماهير والبروليتاريا.

في أيلول/سبتمبر سنة ١٨٤٤ جاء فريدريك انجلس إلى باريس لقضاء بضعة أيام فيها فأصبح منذ ذلك الحين الصديق الحميم لماركس. وقد أسهم كلاهما بأشد الحماسة في الحياة المحمومة للجماعات الثورية التي كانت آنذاك في باريس (وكانت تولي هناك أهمية خاصة لمذهب برودون(٨) وقد صفى ماركس حساب هذا المذهب تصفية قاطعة في كتابه "بؤس الفلسفة" الذي صدر عام ١٨٤٧) وخاضا نضالا حادا ضد مختلف نظريات الاشتراكية البرجوازية الصغيرة وصاغا نظرية وتكتيك الاشتراكية البروليتارية الثورية أو الشيوعية (الماركسية). راجع مؤلفات ماركس في هذه المرحلة الممتدة من ١٨٤٤ إلى ١٨٤٨ في قائمة الكتب. وفي سنة ١٨٤٥ طرد ماركس من باريس لكونه ثوريا خطرا بناء على طلب الحكومة البروسية. فجاء إلى بروكسال وأقام فيها. وفي ربيع ١٨٤٧ انتمى ماركس وانجلس إلى جمعية سرية للدعاية هي "عصبة الشيوعيين"(٩) وقاما بقسط بارز في المؤتمر الثاني لهذه العصبة المنعقد في لندن. وفي تشرين الثاني / نوفمبر ١٨٤٧ وبناء على تكليف المؤتمر وضع ماركس وانجلس "بيان الحزب الشيوعي" المشهور الذي نشر في شباط / فبراير ١٨٤٨. إن هذا الكتاب يعرض بوضوح ودقة عبقريين المفهوم الجديد للعالم، يعرض المادية المتماسكة التي تشمل أيضا ميدان الحياة الاجتماعية والديالكتيك بوصفه العلم الأوسع والأعمق للتطور ونظرية النضال الطبقي والدور الثوري الذي تضطلع به البروليتاري، خالقة المجتمع الجديد، المجتمع الشيوعي، في التاريخ العالمي.

وعندما انفجرت ثورة شباط/فبراير ١٨٤٨ (١٠) طرد ماركس من بلجيكا فعاد إلى باريس ليتركها بعد ثورة آذار/مارس (١١) ويعود إلى ألمانيا ليقيم في مدينة كولونيا حيث صدرت من أول حزيران/جوان ١٨٤٨ إلى ١٩ أيار/ماي سنة ١٨٤٩ "الجريدة الرينانية الجديدة"(١٢) التي كان ماركس رئيس تحريرها. وقد أثبت مجرى الاحداث الثورية في ١٨٤٨-١٨٤٩ كما أثبتت فيما بعد جميع الحركات البروليتارية والديمقراطية في جميع بلدان العالم صحة النظرية الجديدة على نحو ساطع. في بادئ الأمر أقدمت الحركة الظافرة المعادية للثورة على إحالة ماركس إلى القضاء (لكن تم تبرئته في ٩ شباط/فبراير ١٨٤٩) ثم نفته من ألمانيا في ١٦ أيار/ماي ١٨٤٩. فانتقل أولا إلى باريس حيث طرد منها أيضا بعد تظاهرة ١٣ حزيران/جوان ١٨٤٩ (١٣). ثم ذهب إلى لندن حيث عاش حتى آخر أيامه.

إن ظروف حياة المهاجر هذه كانت مضنية إلى أقصى حد كما يتبين بوضوح شديد من مراسلات ماركس وانجلس (المنشورة سنة ١٩١٣) فقد عاش ماركس وعائلته تحت وطأة الفقر المدقع ولولا المساعدة المالية الدائمة المخلصة التي كان يقدمها له انجلس لما استحال على ماركس انجاز كتاب "راس المال" وحسب بل لكان هلك حتما من البؤس. ومن جهة أخرى كانت المذاهب والتيارات السائدة في الاشتراكية البرجوازية الصغيرة والاشتراكية غير البروليتارية بوجه عام تضطر ماركس إلى خوض نضال دائم لا هوادة فيه كما كانت تضطره أحيانا للرد على أكثر التهجمات الشخصية جنونا وغباوة (١٤). وقد تحاشى ماركس حلقات المهاجرين وصاغ في جملة من المؤلفات التاريخية نظريته المادية باذلا جهده على دراسة الاقتصاد السياسي. وقد نفح ماركس في هذا العلم روحا ثورية (انظر مذهب ماركس لاحقا) في مؤلفيه: "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي"(١٨٥٩) و"رأس المال" (المجلد الاول ١٨٦٧).

ثم جاءت مرحلة انتعاش النشاط في الحركة الديمقراطية في أواخر العقد السادس وفي العقد السابع فدفعت ماركس من جديد إلى النشاط العملي. ففي سنة ١٨٦٤ (٢٨ أيلول/سبتمبر) تأسست في لندن الأممية الاولى المشهورة (جمعية الشغيلة العالمية). وكان ماركس روحها كما كان أيضا واضع "رسالتها" الأولى (١٥) وعدد كبير من المقررات والتصريحات والبيانات. إن ماركس بجمعه شمل الحركة العمالية في مختلف البلدان وسعيه إلى توجيه شتى أشكال الاشتراكية غير البروليتارية السابقة للماركسية (مازيني، برودون، باكونين، التريديونية الليبرالية الانجليزية، الانحرافات اللاسالية اليمينية في ألمانيا، الخ.) في طريق النشاط المشترك وكفاحه نظريات جميع هذه الشيع والمدارس الصغيرة قد صاغ تكتيكا موحدا لنضال الطبقة العاملة البروليتاري في مختلف البلدان. وبعد سقوط كومونة باريس (١٨٧١) التي قدرها ماركس تقديرا عميقا، أخاذا، باهرا، فعالا، ثوريا ("الحرب الاهلية في فرنسا" ١٨٧١) وبعد الانشقاق الذي أحدثه الباكونيون(١٦) في الأممية لم يعد باستطاعة هذه الأممية أن تعيش في أوروبا وعقب مؤتمر ١٨٧٢ في لاهاي انتقل المجلس العام للأممية إلى نيويورك بناء على رأي ماركس. وهكذا أنجزت الأممية الأولى مهمتها التاريخية مفسحة المجال لمرحلة من النمو في الحركة العمالية في جميع البلدان نموا أقوى وأشد مما مضى إلى ما لا حد له، مرحلة تطور هذه الحركة من حيث الاتساع مرحلة تأليف أحزاب عمالية اشتراكية جماهيرية على أساس شتى الدول القومية.

وما بذله ماركس من نشاط شديد في الأممية وما قام به من أعمال نظرية بمزيد من الشدة أيضا قد زلزلا صحته زلزلة نهائية. وقد واصل وضع الاقتصاد السياسي على أسس جديدة واتمام كتاب "رأس المال" جامعا عددا ضخما من المستندات الجديدة ودارسا عدة لغات (اللغة الروسية مثلا) ولكن أقعده المرض عن انجاز كتاب "رأس المال".

وفي الثاني من كانون الأول/ديسمبر سنة ١٨٨١ ماتت زوجته. وفي ١٤ آذار/مارس سنة ١٨٨٣ رقد ماركس في كرسيه رقادا أخيرا هادئا ودفن مع زوجته في مقبرة هايغات في لندن. وقد مات لماركس عدة أبناء وما يزالون أطفالا في لندن حين كانت عائلته تعاني بؤسا مدقعا. وكانت بناته الثلاث متزوجات من اشتراكيين من انجلترا وفرنسا وهن: ايلينوار ايفلينغ ولورا لافارغ وجيني لونغي وابن هذه الاخيرة عضو في الحزب الاشتراكي الفرنسي.
 

مذهب ماركس

الماركسية هي منهج أفكار ماركس ومذهبه. لقد تابع ماركس وأتم على نحو عبقري التيارات الفكرية الرئيسية الثلاثة في القرن التاسع عشر والتي تعزى إلى البلدان الثلاثة الأكثر تقدما في العالم: الفلسفة الكلاسيكية الألمانية والاقتصاد السياسي الكلاسيكي الانجليزي والاشتراكية الفرنسية المرتبطة بالتعاليم الثورية الفرنسية بوجه عام. إن ما تتصف به أفكار ماركس من منطق رائع وانسجام تام إنما يعترف به له حتى خصومه. وتؤلف أفكار ماركس بمجموعها المادية الحديثة والاشتراكية العلمية المعاصرة بوصفها نظرية الحركة العمالية وبرنامجها في جميع البلدان المتمدنة في العالم. كل هذا يحملنا على أن نقدم لعرض المضمون الرئيسي للماركسية، مذهب ماركس الاقتصادي، بلمحة موجزة عن مفهموه للعالم بوجه عام.

المادية الفلسفية

كان ماركس قد أصبح ماديا منذ ١٨٤٤–١٨٤٥ أي في الفترة التي تكونت فيها أفكاره: لقد كان، بوجه خاص، من أتباع فيورباخ. ولم يقرأ ماركس بما عند فيورباخ من نقاط ضعف حتى فيما بعد إلا من حيث عدم الكفاية في منطق ماديته وشمولها. لقد كان يرى أن الشأن التاريخي العالمي لفيورباخ الذي "شغل دهرا" قائم بالضبط على مقاطعته النهائية لمثالية هيغل وتوكيده للمادية، هذه المادية التي "لم تكن في القرن الثامن عشر وخصوصا في فرنسا نضالا ضد المؤسسات السياسية الراهنة وكذلك ضد الدين واللاهوت وحسب بل أيضا... ضد كل ميتافيزية" (بمعنى "التأملات المخمورة" وبخلاف "الفلسفة المعقولة") (كتاب "العائلة المقدسة" في "التركة الأدبية")(١٧). وكتب ماركس أيضا:

«يرى هيغل أن حركة الفكر، هذه الحركة التي يشخصها ويطلق عليها اسم الفكرة، هي الاله (الخالق، الصانع)... أما أنا فإني أرى العكس: إن حركة الفكر ليست إلا انعكاسا لحركة المادة منقولة إلى دماغ الإنسان ومتحولة فيه» ("رأس المال" المجلد الأول. توضيح في آخر الطبعة الثانية)(١٨).

وعلى نحو تام الانسجام مع فلسفة ماركس المادية هذه كتب فريدريك انجلس عند شرحه لها في كتابه "ضد دوهرنغ" الذي قرأه ماركس قبل الطبع يوم كان مخطوطة:

«إن وحدة العالم ليست في كيانه... بل في ماديته. وهذه المادية قد أثبتها... تطور طويل وشاق للفلسفة وعلوم الطبيعة... الحركة شكل وجود المادة. لم يوجد قط ولا يمكن أن يوجد أبدا في أي مكان مادة بدون حركة ولا حركة بدون مادة... ولكن إذا تساءلنا... عن ماهية الفكر والمعرفة وعن مصدرهما نجد أنهما إنتاج الدماغ الإنساني وأن الإنسان نفسه هو نتاج الطبيعة الذي نما وتطور في محيط طبيعي معين ومع هذا المحيط. وإذ ذاك يغدو من البداهة أن نتاجات دماغ الانسان التي هي أيضا عند آخر تحليل نتاجات للطبيعة ليست في تناقض بل في انسجام مع سائر الطبيعة».

«لقد كان كان هيغل مثاليا أي أن الأفكار في دماغه لم تكن في نظره إلا صور مجردة، (في الأصل: انعكاسات، يستعمل انجلس أحيانا كلمة 'نسخ') إلى هذا الحد أو ذاك، عن الأشياء والتطورات الواقعية. بل على العكس من ذلك فالأشياء وتطورها لم تكن في نظر هيغل إلا صورا تعكس الفكرة التي كانت موجودة، ولا أعلم أين، قبل وجود العالم»(١٩).

وقد كتب انجلس في مؤلفه "لودفيغ فورباخ" الذي عرض أفكاره فيه وأفكار ماركس حول فلسفة فورباخ والذي لم يدفعه إلى الطبع إلا بعد أن أعاد قراءة المخطوطة القديمة حول هيغل وفورباخ والمفهوم المادي للتاريخ الذي وضعها بالتعاون مع ماركس في ١٨٤٤–١٨٤٥ يقول:

«إن المسالة الاساسية العظمى في كل فلسفة ولاسيما الفلسفة الحديثة هي مسألة علاقة الفكر بالكائن أو علاقة العقل بالطبيعة... أيهما يسبق الآخر العقل أم الطبيعة... وكان الفلسفة تبعا لإجاباتهم على هذا السؤال قد انقسموا إلى معسكرين كبيرين: فأولائك الذين كانوا يؤكدون تقدم العقل على الطبيعة ويقبلون على هذا النحو في آخر تحليل بخلق العالم أيا كان نوع هذا الخلق... ألفوا معسكر المثالية. والآخرون الذين كانوا يقررون تقدم الطبيعة انتموا إلى مختلف مدارس المادية.»

وكل مفهوم آخر للمثالية والمادية – بالمعنى الفلسفي – ليس من شأنه إلا خلق البلبلة. وقد نبذ ماركس نبذا قاطعا، ليس فقط المثالية المقرونة أبدا إلى الدين، بشكل أو بآخر، بل نبذ أيضا وجهة نظر هيوم وكانط المنتشرة خصوصا في أيامنا هذه، والعجزية، والانتقادية، والمذهب الوضعي(٢٠) بأشكالها المختلفة إذ أنه كان يعتبر هذا النوع من الفلسفة بمثابة تنازل "رجعي" أمام المثالية وفي أحسن الأحوال بمثابة «أسلوب جبان يقبل المادية في السر وينكرها في العلن.»(٢١) وبصدد هذا راجعوا رسالة ماركس إلى انجلز المؤرخة في ١٢ كانون الأول/ديسمبر ١٨٦٨ التي يتحدث فيها عن محاضرة العالم الطبيعي الشهير توماي هكسلي ويلاحظ فيها أن هذا العالم قد ظهر «ماديا أكثر من العادة» واعترف «بأننا ما دمنا نلاحظ فعلا وما دمنا نفكر فلا نستطيع أن نخرج أبدا من المادية» ثم يتهمه ماركس بأنه «فتح بابا سريا» للعجزية ولنظرية هيوم. ومن المهم خصوصا أن نسجل رأي ماركس حول العلاقة بين الحرية والضرورة: «ليست الضرورة عمياء إلا ما دامت غير مفهومة. الحرية هي فهم الضرورة» (انجلس. "ضد دوهرنغ") وهذا يعني، إذن، الاعتراف بمطابقة الطبيعة للقوانين الموضوعية، وتحول الضرورة الديالكتيكي إلى حرية (كتحول "الشيء بذاته" وغير المدرك ولكنه قابل للادراك إلى "شيء لنا"، تحول "جوهر الاشياء" إلى "ظاهرات"). إن العيب الأساسي في المادية 'القديمة' وفي جملتها مادية فورباخ (بالأحرى المادية "المبتذلة" عند بوخنر وفوغت وموليشوت) هو في نظر ماركس وانجلس: أولا – إن هذه المادية كانت "في أساسها ميكانيكية" ولم تكن لتأخذ بعين الاعتبار آخر ما توصلت إليه الكيمياء والبيولوجيا (ومن المناسب أن نضيف إليها في أيامنا هذه النظرية الكهربائية للمادة). ثانيا – إن المادية القديمة لم تكن تاريخية ولا ديالكتيكية (كانت ميتافيزيقية بمعنى أنها ضد الديالكتيكية) ولم تكن تطبق وجهة نظر التطور من جميع نواحيها على نحو منسجم محكم الحلقات إلى النهاية. ثالثا – إنها تفهم "جوهر الإنسان" على نحو تجريدي لا بمثابة "مجموعة العلاقات الاجتماعية كافة" (التي يحددها التاريخ على نحو ملموس). وهكذا لم تقم إلا "بتفسير" العالم مع أن المقصود كان "تغييره" وبتعبير آخر إن المادية القديمة لم تكن تدرك شأن "النشاط العملي الثوري".

الديالكتيك

لقد كان ماركس وانجلس يريان في ديالكتيك هيغل أوسع مذهب من مذاهب التطور وأوفرها مضمونا وأشدها عمقا وأثمن اكتسابا حققته الفلسفة الكلاسيكية الألمانية. وكانت كل صيغة أخرى لمبدأ التطور تتراءى لهما وحيدة الجانب فقيرة المضمون تشوه وتفسد السير الواقعي للتطور (الذي يتميز أحيانا بقفزات وكوارث وثورات) في الطبيعة والمجتمع.

«إننا كلينا، ماركس وأنا، كنا وحدنا تقريبا اللذين عملا لانقاذ الديالكتيك الواعي (من المثالية بما فيها الهيغلية نفسها) وذلك بإدخاله في المفهوم المادي للطبيعة. إن الطبيعة هي محك الاختبار، وبإمكاننا أن نضيف أن علم الطبيعة الحديث قد أغنى إلى أقصى حدود الغنى (كتب هذا قبل اكتشاف الراديوم والالكترونات وتحول العناصر الخ.!) ولا يزال يضيف لوازم هذا الاختبار يوميا وبذلك أثبتت هذه العلوم أن الطبيعة تعمل في نهاية المطاف على نحو ديالكتيكي لا على نحو ميتافيزيقي».(٢٢)

قال انجلس أيضا:

«إن الفكرة الأساسية الكبرى التي تقول بأن العالم لا يتألف من أشياء تامة الصنع بل هو مجموعة من العمليات يطرأ فيها على الأشياء التي تبدو في الظاهر ثابتة وكذلك على انعكاساتها الذهنية في دماغن، أي الأفكار، تغير مستمر من الصيرورة والفناء، إن هذه الفكرة الأساسية الكبرى قد نفذت على نحو عميق منذ هيغل في الإدراك العام حتى أنه لا يوجد من يعارضها في شكلها العام هذا. ولكن الاعتراف بهذه الفكرة كلاما شيء وتطبيقا في الواقع في كل حال من الأحوال وفي كل ميدان من ميادين البحث شيء آخر". "ليس هناك من أمر نهائي مطلق مقدس أمام الفلسفة الديالكتيكية فيه ترى كل شيء وفي كل شيء خاتم الهلاك المحتوم، وليس ثمة شيء قادر على الصمود في وجهها غير الحركة التي لا تنقطع، حركة الصيرورة والفناء، حركة التصاعد أبدا دون توقف من الأدنى إلى الأعلى. وهذه الفلسفة نفسها ليست إلا مجرد انعكاس هذه الحركة في الدماغ المفكر". فالديالكتيك هو إذن في نظر ماركس علم القوانين العامة للحركة سواء في العالم الخارجي أم في الفكر البشري».(٢٣)

إن هذا المظهر الثوري لفلسفة هيغل هو ما تبناه ماركس وطوره. فالمادية الديالكتيكية «لم تعد بحاجة إلى فلسفة توضع فوق العلوم الأخرى» وإن ما تبقى من الفلسفة القديمة هو «نظرية الفكر وقوانينه – المنطق الشكلي والديالكتيك».(٢٤) غير أن الديالكتيك حسب مفهوم ماركس كما هو حسب مفهوم هيغل يشمل ما يسمى اليوم بنظرية المعرفة أو "العرفانية" التي يجب أن تعالج موضوعها من وجهة نظر تاريخية أيضا وذلك بأن تدرس وتعمم منشأ المعرفة وتطورها أي الانتقال من اللامعرفة إلى المعرفة.

في أيامنا دخلت فكرة النمو فكرة التطور على نحو كلي تقريبا في الوعي الاجتماعي ولكن عن غير طريق فلسفة هيغل. بيد أن هذه الفكرة كما صاغها ماركس وانجلس بالاستناد إلى هيغل هي أوسع جدا وأغنى جدا في محتواها من الفكرة الشائعة عن التطور. تطور يبدو كأنه يستنسخ مراحل مقطوعة سابقا ولكن على نحو آخر وعلى درجة الرفع ("نفي النفي") تطور على نحو لولبي إذا صح التعبير لا على نحو خط مستقيم – تطور بقفزات وكوارث وثورات – "انقطاعات في التدرج" تحول الكمية إلى كيفية – اندفاعات داخلية نحو التطور يثيرها التضاد والتصادم في القوى والاتجاهات المتمايزة التي تعمل في جسم معين أو في حدود ظاهرة معينة أو في قلب مجتمع معين – تبعية متبادلة وصلة وثيقة لا يمكن فصمها بين جميع جوانب كل ظاهرة (والتاريخ يكشف دائما عن جوانب جديدة)، صلة تحدد مجرى الحركة الوحيد المشروع الكلي: هذ هي بعض مميزات الديالكتيك بوصفه مذهبا للتطور أغنى من المذهب الشائع. (راجع رسالة ماركس إلى انجلس بتاريخ ٨ كانون الثاني ١٨٦٨ حيث يهزأ من «سفسطات شتاين "المشدودة" التي من الحماقة خلطها بالديالكتيك المادي».)

المفهوم المادي للتاريخ

أدرك ماركس خلو المادية القديمة من المنطق وعدم اكتمالها وطابعها الوحيد الجانب. فاقتنع بأنه يجب «جعل علم المجتمع منسجما مع الأساس المادي وإعادة بنائه استنادا إلى هذا الأساس»(٢٥). وإذا كانت المادية بوجه عام تفسر الوعي بالكائن وليس بالعكس فهي تتطلب عند تطبيقها على الحياة الاجتماعية للإنسانية تفسير الوعي الاجتماعي بالكائن الاجتماعي. يقول ماركس: «إن التكنولوجيا تبرز أسلوب عمل الإنسان تجاه الطبيعة أي العملية المباشرة لإنتاج حياته وبالتالي الظروف الاجتماعية لحياته والأفكار أو المفاهيم الفكرية التي تنجم عن هذه الظروف» ("رأس المال" المجلد الأول)(٢٦). وقد أعطى ماركس صيغة كاملة عن الموضوعات الأساسية للمادية في تطبيقها على المجتمع البشري وعلى تاريخه وذلك في مقدمة كتابه: "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" قال:

«إن الناس أثناء الإنتاج الاجتماعي لحياتهم يقيمون فيما بينهم علاقات معينة ضرورية مستقلة عن إرادتهم. وتطابق علاقات الإنتاج هذه درجة معينة من تطور قواهم المنتجة المادية.»

ومجموع علاقات الإنتاج هذه يؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع أي الأساس الواقعي الذي يقوم عليه بناء فوقي حقوقي وسياسي وتطابقه أشكال معينة من الوعي الاجتماعي. إن أسلوب إنتاج الحياة المادية يشترط تفاعل الحياة الاجتماعي والسياسي والفكري بصورة عامة. فليس إدراك الناس هو الذي يحدد معيشتهم بل على العكس من ذلك معيشتهم الاجتماعية هي التي تحدد إدراكهم. وعندما تبلغ قوى المجتمع المنتجة المادية درجة معينة من تطورها تدخل في تناقض مع علاقات الإنتاج الموجودة أو مع علاقات الملكية – وليست هذه سوى التعبير الحقيق لتلك – التي كانت إلى ذلك الحين تتطور ضمنها. فبعد ما كانت هذه العلاقات أشكالا لتطور القوى المنتجة تصبح قيودا لهذه القوى. وعندئذ ينفتح عهد الثورة الاجتماعية. ومع تغير الأساس الاقتصادي يحدث انقلاب في كل البناء الفوقي الهائل بهذا الحد أو ذاك من السرعة. وعند دراسة هذه الانقلابات ينبغي دائما التمييز بين الانقلاب المادي لشروط الإنتاج الاقتصادية – هذا الانقلاب الذي يحدد بدقة العلوم الطبيعية – وبين الأشكال الحقوقية والسياسية والدينية والفنية والفلسفية أو بكلمة مختصرة الأشكال الفكرية التي يتصور فيها الناس هذا النزاع ويكافحونه.

فكما أنه لا يمكن الحكم على فرد وفقا للفكرة التي لديه عن نفسه كذلك لا يمكن الحكم على عهد انقلاب كهذا وفقا لوعيه. فينبغي تفسير هذا الوعي بتناقضات الحياة المادية وبالنزاع القائم بين قوى المجتمع المنتجة وعلاقات الإنتاج (...) إن أساليب الإنتاج الأسلوب الآسيوي والقديم والاقطاعي والبرجوازي الحديث مرسومة بخطوطها الكبرى يمكن اعتبارها بمثابة عهود متصاعدة من التكون الاجتماعي الاقتصادي"(٢٧).

("راجع الصيغة الموجزة التي يعطيها ماركس في رسالته إلى انجلس بتاريخ ٧ تموز/يوليو ١٨٦٦: "نظريتنا حول تحديد تنظيم العمل بواسطة وسائل الإنتاج").

إن اكتشاف المفهوم المادي عن التاريخ أو بتعبير أدق تطبيق وتوسيع المادية بدأب وانسجام إلى النهاية حتى تشمل ميدان الظاهرات الاجتماعية قد قضى على عيبين رئيسيين في النظريات التاريخية السابقة: أولا: لم تكن هذه النظريات تأخذ بعين الاعتبار، في أحسن الحالات، غير الدوافع، دون أن تدرك القوانين الموضوعية التي تسير تطور نظام العلاقات الاجتماعية، دون أن ترى جذور هذه العلاقات في درجة تطور الإنتاج المادي. ثانيا: كانت النظريات السابقة تهمل على وجه الضبط عمل جماهير السكان بينما مكنت المادية التاريخية لأول مرة من دراسة الظروف الاجتماعية لحياة الجماهير ومن دراسة تغيرات هذه الظروف بدقة العلوم الطبيعية. لقد كان "علم الاجتماع" وعلم التاريخ قبل ماركس يكدسان في أحسن الحالات وقائع خام مجموعة كيفما اتفق ويعرضان بعض الجوانب من حركة تطور التاريخ. لقد شقت الماركسية الطريق أمام دراسة واسعة شاملة لعملية نشوء تشكيلات المجتمع الاقتصادية وتطورها وانهيارها وذلك بتحليلها مجموعة الميول المتناقضة وردّها إلى ظروف المعيشة والإنتاج الواضحة المعالم لمختلف طبقات المجتمع وبإبعادها اختيار الأفكار "القائدة" أو تأويلها على نحو ذاتي واعتباطي ويكشفها عن جذور جميع الأفكار وجميع الميول المتباينة في أوضاع القوى المنتجة المادية دون استثناء. إن الناس هم صانعوا تاريخهم ولكن ما الذي يحدد دوافعهم وخصوصا دوافع الجماهير البشرية؟ وما هو سبب نزاعات الأفكار والمطامح المتضادة؟ وماذا يمثل مجموع هذه النزاعات في مجمل المجتمعات البشرية وما هي الشروط الموضوعية لإنتاج الحياة المادية التي يقوم عليها أساس كل نشاط الناس التاريخي؟ وماهو قانون تطور هذه الشروط؟ إن ماركس قد أعار انتباهه لهذه المسائل ورسم الطريق لدراسة علمية للتاريخ بوصفه حركة تطور واحدة تسير وفق قوانين معينة رغم تنوعها العجيب ورغم جميع تناقضاتها.

الصراع الطبقي

من المعلوم أنه في كل مجتمع تتصادم مطامح البعض مع مطامح البعض الآخر وأن الحياة الاجتماعية مليئة بالتناقضات، وأن التاريخ يكشف لنا عن الصراع الذي بين الشعوب والمجتمعات، كما يقوم داخل الشعوب والمجتمعات نفسه، وأنه يبين لنا أيضا مراحل متعاقبة من الثورة والرجعية، من السلم والحروب، من الركود والتقدم السريع أو الانحطاط. إن الماركسية قد رسمت النهج الموجه الذي يتيح اكتشاف وجود القوانين في هذا التعقيد والتشوش الظاهر ونعني بهذا نظرية الصراع الطبقي. فقط دراسة مجمل المطامح لدى جميع أعضاء مجتمع ما أو عدد من المجتمعات تسمح بتحديد نتيجة هذه المطامح تحديدا علميا. هذا مع العلم أن المطامح المتناقضة يولدها تباين الأوضاع وشروط الحياة لدى الطبقات التي ينقسم إليها كل مجتمع. يقول ماركس في "البيان الشيوعي":

«إن تاريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا (ثم يضيف انجلس فيما بعد: ما عدى المشاعية البدائية) لم يكن سوى تاريخ صراع بين الطبقات. فالحر والعبد، والنبيل والعامي، والسيد الاقطاعي والقن، والمعلم والصانع، أي باختصار، المضطهدون والمضطهدين، كانوا في تعارض دائم وكانت بينهم حرب مستمرة، تارة ظاهرة، وتارة مستترة، حرب كانت تنتهي دائما إما بانقلاب ثوري يشمل المجتمع بأسره وإما بانهيار الطبقتين معا (...) أما المجتمع البرجوازي الحديث الذي خرج من أحشاء المجتمع الاقطاعي الهالك فإنه لم يقض على التناقضات بين الطبقات بل أقام طبقات جديدة محل القديمة وأوجد ظروفا جديدة للاضطهاد وأشكالا جديدة للنضال بدلا من القديمة. إلا أن ما يميز عصرنا الحاضر، عصر البرجوازية، هو أنه جعل التناحر الطبقي أكثر بساطة. فإن المجتمع أخذ بالانقسام، أكثر فأكثر، إلى معسكرين فسيحين متعارضين، إلى طبقتين كبيرتين العداء بينهما مباشر: هما البرجوازية والبروليتاريا».

ومنذ الثورة الفرنسية الكبرى كشف تاريخ اوروبا في عدد من البلدان على نحو بديهي خاص عن السبب الحقيقي للأحداث وهو صراع الطبقات. فمنذ عهد عودة الملكية (٢٨) ظهر في فرنسا عدد من المؤرخين (تييري وغيزو ومينيه وتيير) الذين كانوا مجبرين عند تلخيصهم لما كان يحدث أن يعترفوا بأن الصراع الطبقي موجود وأنه المفتاح الذي يتيح فهم كل تاريخ فرنسا. ولكن المرحلة الحديثة الأخيرة، مرحلة انتصار البرجوازية التام، والمؤسسات التمثيلية والاقتراع الموسع (إن لم يكن العام)، مرحلة الصحافة اليومية الزهيدة الثمن، التي تتغلغل بين الجماهير إلخ. هذه المرحلة قد أثبتت بمزيد من الجلاء أيضا (ولو أحيانا على نحو وحيد الجانب و"سلمي" و"دستوري") إن الصراع الطبقي هو محرك الأحداث.

إن المقتطف التالي من "البيان الشيوعي" يبين لنا ما طلبه ماركس من علم الاجتماع من وجهة نظر التحليل الموضوعي لأوضاع كل طبقة من طبقات المجتمع الحديث بالارتباط مع تحليل تطور هذه الطبقة:

«وليس بين جميع الطبقات التي تقف الآن أمام البرجوازية وجها لوجه إلا طبقة واحدة ثورية حقا هي البروليتاريا. إن جميع الطبقات الأخرى تنحط وتنقرض في النهاية مع نمو الصناعة الكبرى أما البروليتاريا فهي – خلافا لذلك – أخص وأساس منتجات هذه الصناعة. إن الشريحة السفلى من الطبقة المتوسطة وصغار الصناعيين والباعة والحرفيين والفلاحين تحارب البرجوازية من أجل الحفاظ على وجودها بوصفها فئات متوسطة. فهي ليست إذن ثورية بل محافظة وأكثر من محافظة أيضا إنها رجعية. إذ أنها تريد أن تدور عجلة التاريخ إلى الوراء. وإن حدث وأن كانت ثورية فذلك لأنها في حالة انتقال إلى صفوف البروليتاريا وبذلك لا تدافع عن مصالحها الآنية بل عن مصالحها المستقبلية وهي تتخلى عن وجهة نظرها الخاصة لتتخذ لنفسها وجهة نظر البروليتاريا". وفي جملة من المؤلفات التاريخية أعطى ماركس أمثلة ساطعة وعميقة عن علم التاريخ المادي وعن تحليل ظروف كل طبقة بذاتها وأحيانا ظروف مختلف الجماعات والفئات في الطبقة الواحدة وبين على نحو ساطع لماذا وكيف "أن كل نضال طبقي هو نضال سياسي».(٢٩)

إن المقطع الذي استشهدنا به آنفا يبيّن بوضوح كم هي معقدة شبكة العلاقات الاجتماعية والدرجات الانتقالية بين طبقة وأخرى وبيّن الماضي والمستقبل التي يحللها ماركس ليظهر حاصل كل التطور التاريخي.

إن نظرية ماركس تجد تأكيدها وتطبيقها الأكثر عمقا وشمولا وتفصيلا في مذهبه الاقتصادي.
 

الاشتراكية

نرى مما تقدم أن ماركس يخلص إلى أن المجتمع الرأسمالي سيتحول حتما إلى مجتمع اشتراكي وهو يستخلص ذلك استخلاصا تاما وعلى وجه الحصر من القانون الاقتصادي لحركة المجتمع الحديث. إن جعل العمل اجتماعيا [نص مفقود]. إن هذه العملية التي تتقدم بسرعة متزايدة أبدا وبألوف الاشكال والتي ظهرت بوجه خاص خلال النصف القرن الذي انقضى على وفاة ماركس في توسع الصناعة الكبيرة والكارتيلات والسنديكات والتروستات الرأسمالية وفي التطور الأسطوري لنسب رأس المال المالي وقوته ذلك هو الأساس المادي الرئيسي لمجيء الاشتراكية الذي لا مناص منه. إن المحرك الفكري والمعنوي والعامل المادي لهذا التحول إنما هو البروليتاريا التي تثقفها الرأسمالية نفسها. إن نضال البروليتاريا ضد البرجوازية، الذي يتخذ أشكالا مختلفة ومحتوى يغتني باستمرار ، يصبح حتما نضالا سياسيا يرمي إلى استيلاء البروليتاريا على الحكم السياسي ("ديكتاتورية البروليتاريا"). ولابد لعملية جعل الإنتاج اجتماعيا من أن تجعل وسائل الإنتاج ملكية اجتماعية وأن تؤدي إلى "انتزاع الملكية من مغتصبيها". إن التزايد الضخم في إنتاجية العمل وإنقاص يوم العمل وإحلال العمل التعاوني المتقن محل بقايا الإنتاج الصغير البدائي المبعثر وعلى أنقاضه تلك هي النتائج المباشرة لهذا التحول. إن الرأسمالية تقطع نهائيا الروابط التي تصل الزراعة بالصناعة ولكنها في الوقت نفسه تهيئ بتطورها الأكثر تقدما العناصر الجديدة لهذا الترابط وتهيئ اتحاد الصناعة بالزراعة على أساس تطبيق العلم تطبيقا واعي، وعلى أساس تنسيق العمل التعاوني وتوزيع جديد للسكان (وضع حد لعزلة الريف عن العالم وما يعانيه من تخلف وعزلة وتوحش، وكذلك لتكدس عدد ضخم من السكان في المدن الكبيرة على نحو غير طبيعي). إن الاشكال العليا للرأسمالية الحديثة تهيئ شكلا جديدا للعائلة وشروطا جديدة للمرأة ولتربية الأجيال الناشئة. فإن عمل النساء والأولاد وإحلال العائلة البطريركية بسبب النظام الرأسمالي يأخذان حتما في المجتمع الحديث أكثر الأشكال فظاعة وأشدها تدميرا وتنفيرا. ومع ذلك "فالصناعة الكبيرة بإعطائها النساء والأحداث والأولاد من الجنسين دورا حاسما في عملية الإنتاج المنظمة اجتماعيا خارج النطاق العائلي تخلق أساسا اقتصاديا جديدا لشكل أعلى من أشكال العائلة والعلاقات بين الجنسين. ومن الخرق طبعا أن يعتبر بمثابة شيء مطلق سواءا الشكل الجرماني المسيحي للعائلة أم الأشكال القديمة الرومانية واليونانية والشرقية التي تؤلف من جهة أخرى سلسلة واحدة من التطورات التاريخية المتعاقبة. ومن البديهي أيضا أن تركيب الهيئة العمالية المختلطة عن طريق إجتماع أفراد من الجنسين ومن مختلف الأعمار – مع كونه في شكله الرسمي العفوي الفظ حيث العامل موجود من أجل عملية الإنتاج وليس عملية الإنتاج موجودة من أجل العامل يؤلف ينبوعا موبوءا للإفساد والإستعباد – إن هذا التركيب يجب أن يتحول بالعكس في ظروف مؤاتية [نص مفقود] ينبوع إلى التطور الانساني" ("رأس المال" المجلد الأول نهاية الفصل الثالث عشر). ان نظام المصنع يبين لنا "بذور التربية في المستقبل هذه التربية التي ستوحد العمل المنتج لجميع الاولاد فوق سن معينة مع التعليم والرياضة وذلك ليس فقط بمثابة طريقة تهدف إلى زيادة الإنتاج الاجتماعي بل بمثابة الطريقة الوحيدة الفريدة لإنتاج رجال متطورين من كل النواحي" (المصدر نفسه). وعلى الأساس التاريخي نفسه تضع اشتراكية ماركس قضيتي القومية والدولة لا لتفسير الماضي وحسب بل لتحديد التنبؤات بجرأة وللقيام بعمل مقدام في سبيل تحقيقها. إن الأمم هي الإنتاج والشكل الحتميان للمرحلة البرجوازية من التطور الاجتماعي. إن الطبقة العاملة لم تستطع أن تقوي نفسها وتنضج وتتطور إلا "بتكوين نفسها ضمن الحدود القومية" دون أن تكون "قومية" ("وإن لم يكن اطلاقا بالمعنى البرجوازي للكلمة"). والحال أن تطور الرأسمالية لا ينفك يحطم الحدود القومية ويهدم العزلة القومية يحل التناحرات الطبقية محل التناحرات القومية. ولهذا يكون من الصحيح تماما أن "ليس للعمال وطن" في البلدان الرأسمالية المتطورة وأن "توحيد جهود" العمال في البلدان المتمدنة على الأقل "هو أحد الشروط الأولية لتحرر البروليتاريا" ("البيان الشيوعي"). أما الدولة، هذا العنف المنظم، فقد ظهرت ظهورا حتميا عند درجة معينة من تطور المجتمع، حينما أصبح المجتمع منقسما إلى طبقات، لا يمكن التوفيق بينها ولم يعد في طوقه أن يعيش بدون "سلطة" موضوعة كما يزعم فوق المجتمع ومفصولة عنه إلى حد ما. وهذه الدولة التي ولدت في قلب التناحرات الطبقية تصبح "دولة الطبقة الأقوى الطبقة المسيطرة اقتصاديا والتي تغدو أيضا بفضل الدولة الطبقة المسيطرة سياسي، وهكذا تكتسب وسائل جديدة لاخضاع الطبقة المظلومة واستثمارها. وعلى هذا النحو كانت الدولة القديمة قبل كل شيء دولة ملاكي عبيد لاخضاع العبد كما أن الدولة الاقطاعية كانت جهاز النبلاء لاخضاع الفلاحين الأقنان وكما أن الدولة التمثيلية الحديثة هي أداة استثمار الرأسماليين للعمال الماجورين" (انجلس في كتاب "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" حيث عرض وجهات نظره ووجهات نظر ماركس). وحتى الشكل الأوفر حرية والأكثر تقدما للدولة البرجوازية ونعني به الجمهورية الديمقراطية لا يلغي أبدا هذا الواقع بل يعدل شكله فقط (ارتباط الحكومة بالبورصة، رشوة الموظفين والصحافة، على نحو مباشر وغير مباشر الخ.). إن الاشتراكية إذ تقود إلى إلغاء الطبقات تقود بالتالي إلى إلغاء الدولة. "إن أول عمل تثبت به الدولة فعلا أنها تمثل المجتمع بأسره – أي الاستيلاء على وسائل الإنتاج في صالح المجتمع بأسره – هو في الوقت نفسه آخر عمل خاص بها بوصفها دولة. إن تدخل سلطة الدولة في العلاقات الاجتماعية يصبح نافلا في ميدان بعد آخر ثم يتلاشى من تلقاء نفسه. ومحل حكم الأشخاص تحل إدارة الأشياء وقيادة عملية الإنتاج. إن الدولة "لا تلغى"، إنها "تضمحل" (انجلس، "ضد دوهرنغ"). "إن المجتمع الذي سينظم الإنتاج على أساس المشاركة الحرة المتساوية بين المنتجين سيعيد كل آلة الدولة إلى المكان اللائق بها: متحف الآثار إلى جانب المغزل اليدوي والفأس البرونزية (انجلس، "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة").

وأخيرا من الأهمية بمكان أن نشير في معرض موقف اشتراكية ماركس من الفلاح الصغير الذي سيبقى موجودا أيضا في مرحلة انتزاع الملكية من مغتصبيها إلى هذا البيان من انجلس الذي يعبر عن رأي ماركس: "عندما تصبح سلطة الدولة في أيدينا لن يكون بالامكان أن يخطر ببالنا أن ننتزع ملكية الفلاحين الصغار بعنف (بتعويض أو بغير تعويض سيان) مثلما سنكون مضطرين لأن نفعل بالنسبة لكبار الملاكين العقاريين. إن مهمتنا تجاه الفلاح الصغير ستكون قبل كل شيء توجيه إنتاجه الخاص في السبيل التعاوني، لا بواسطة العنف، بل عن طريق المثل وتقديم مساعدة المجتمع لهذا الغرض. ومن المؤكد أن سيكون لدينا ما يكفي من الوسائل لاقناع الفلاح بجميع المزايا التي يتسم بها هذا التحول والتي لا بد من توضيحها له منذ الآن". (انجلس، "مسألة الفلاحين في فرنسا وألمانيا". طبع الكسييف، صفحة ١٧. الترجمة الروسية بأغلاط. النص الاصلي في جريدة Neue Zeit).
 

تكتيك نضال البروليتاريا الثوري

لما كان ماركس قد أبصر جليا منذ ١٨٤٤–١٨٤٥ إحدى النواقص الأساسية في المادية القديمة وهي أن المادية القديمة لم تعرف كيف تفهم شروط النشاط العملي الثوري ولا أن تقدر أهميته فإنه إلى جانب أعماله النظرية قد أعار طوال حياته انتباها دائبا لمسائل تكتيك نضال البروليتاريا الطبقي. ومن هذه الناحية تقدم جميع مؤلفات ماركس مراجع غنية ولاسيما مراسلاته مع انجلس المنشورة عام ١٩١٣ في أربع مجلدات. إن هذه المراجع ما تزال بعيدة عن أن تكون كلها مجموعة ومصنفة ومدروسة ومعمقة. ولهذا يترتب علينا أن نكتفي هنا بأعم الملاحظات وأوجزها مع الإشارة إلى أن ماركس كان يعتبر بحق أن المادية إذا جرت من هذا الجانب كانت غير كاملة ووحيدة الجانب وعديمة الحيوية. لقد كان ماركس يحدد المهمة الأساسية لتكتيك البروليتاريا بالتوافق الدقيق مع جميع مقدمات مفهومه المادي-الديالكتيكي. إن حسبان الحساب بشكل موضوعي لمجموع العلاقات بين جميع الطبقات في مجتمع معين دون استثناء وبالتالي حسبان الحساب للدرجة الموضوعية لتطور هذا المجتمع وللعلاقات بينه وبين سائر المجتمعات يمكن له وحده أن يكون أساسا لتكتيك صحيح للطبقة المتقدمة. وعليه ينظر إلى جميع الطبقات وجميع البلدان لا من حيث مظهرها الثابت بل من حيث مظهرها المتحرك أي لا في حالة الجمود بل في حالة الحركة (الحركة التي تنبثق قوانينها من الشروط الاقتصادية لمعيشة كل طبقة). والحركة بدورها ينظر إليها لا من وجهة نظر الماضي وحسب بل من وجهة نظر المستقبل أيضا وفضلا عن ذلك ينظر إليها لا وفقا للمفهوم المبتذل "للتطوريين" الذين لا يلاحظون سوى التحولات البطيئة بل وفقا للديالكتيك. فقد كتب ماركس إلى انجلس يقول: "في التطورات التاريخية الكبرى ليست عشرون سنة أكثر من يوم واحد مع أنه قد تأتي فيما بعد أيام تضم في أحشائها عشرين سنة" ("المراسلات"، المجلد الثالث، صفحة ١٦٧). وفي كل درجة من التطور وفي كل لحظة يجب على تكتيك البروليتاريا أن يأخذ بعين الاعتبار هذا الديالكتيك الحتمي موضوعيا لتاريخ الإنسانية: وذلك من جهة باستخدام مراحل الركود السياسي أي مراحل التطور "الهادئ" – كما يزعم – الذي يتقدم بخطى السلحفاة من أجل تطوير الوعي والقوى والقدرة النضالية لدى الطبقة المتقدمة ومن جهة أخرى بالاتجاه في كل هذا العمل نحو "الهدف النهائي" لحركة هذه الطبقة بجعلها قادرة على أن تحل عمليا المهمات الكبرى للأيام العظيمة "التي تضم في أحشائها عشرين سنة". ثمة بحثان لماركس بهذا الصدد يرتديان أهمية خاصة. الأول في كتابه "بؤس الفلسفة" ويتعلق بنضال البروليتاريا الاقتصادي وبمنظماتها الاقتصادية والآخر في "البيان الشيوعي" ويتعلق بمهمات البروليتاريا السياسية. أمّا الأول فقد ورد كما يلي: "إن الصناعة الكبرى تجمع في مكان واحد جمهورا من الناس لا يعرف بعضهم بعضا. والمزاحمة تفرق مصالحهم. ولكن وقاية الأجرة هذه المصلحة المشتركة بينهم ضد سيدهم تجمعهم في فكرة واحدة فكرة المقاومة والتحالف... إن التحالفات تبدأ منعزلة ثم تتألف في جماعات وبوجه الرأسمال المتجمع على الدوام يغدو حفاظ العمال على اتحاداتهم أهم بنظرهم من وقاية الأجرة... وفي هذا النضال – هذه الحرب الأهلية الحقيقة – تتجمع وتتطور جميع العناصر الضرورية لمعركة مقبلة. وعند بلوغ هذه النقطة يأخذ التحالف طابعا سياسيا". إن لدينا هنا برنامج وتكتيك النضال الاقتصادي والحركة النقابية لبضع عشرات السنين لكل المرحلة الطويلة من تحضير قوى البروليتاريا "لمعركة مقبلة". وتجدر المقارنة بين ذلك وبين إشارات ماركس وانجلس العديدة المبنية على تجربة الحركة العمالية الانجليزية والتي تبين كيف أن "الازدهار" الصناعي يستثير محاولات "لشراء العمال" ("المراسلات، المجلد الأول، صفحة ١٣٦)، وصرفهم عن النضال، وكيف أن هذا الازدهار "يفسد معنويات العمال" بوجه عام (المجلد الثاني صفحة ٢١٨) وكيف أن البروليتاريا الانجليزية "تتبرجز" وكيف أن "الأمة الأكثر برجوازية بين الأمم" (الأمة الانجليزية) "تبدو كأنها تريد أخيرا أن يكون لديه، إلى جانب البرجوازية، أرستقراطية برجوازية وبروليتاريا برجوازية" (المجلد الثاني، صفحة ٢٩٠)، وكيف أن "الطاقة الثورية تتلاشى وتزول لدى البروليتاريا الانجليزية" (المجلد الثالث صفحة ١٢٤) وكيف ينبغي الانتظار زمنا قد يطول إلى هذا الحد أو ذاك "لكي يتخلص العمال الانجليز مما يبدو عليهم من الفساد البرجوازي" (المجلد الثالث صفحة ١٢٧)، وكيف أن "حمية الشارتيين" [١] مفقودة في الحركة العمالية الانجليزية (١٨٦٦، المجلد الثالث، صفحة ٣٠٥)، وكيف أن الزعماء العماليين الانجليز يشكلون نموذجا وسطيا "بين البرجوازيين الراديكاليين والعمال" (تلميح إلى هوليوك المجلد الرابع صفحة ٢٠٩)، وكيف "أن العامل الانجليزي لن يتحرك" بسبب احتكار انجلترا وما دام هذا الاحتكار قائما (المجلد الرابع، صفحة ٤٣٣). إن تكتيك النضال الاقتصادي بالارتباط مع السير العام (ومع النتيجة العامة) للحركة العمالية مدروس هنا من وجهة نظر واسعة شاملة ديالكتيكية على نحو رائع وثورية حقا.

أما "البيان الشيوعي" فقد صاغ لتكتيك النضال السياسي المبدأ الأساسي التالي للماركسية: "إنهم (أي الشيوعيين) يكافحون في سبيل مصالح الطبقة العاملة وأهدافها المباشرة ولكنهم يدافعون في الوقت نفسه عن مستقبل الحركة". ومن أجل هذا ساند ماركس في ١٨٤٨ حزب "الثورة الزراعية" بولونيا (أي الحزب الذي أثار انتفاضة كراكوفيا في ١٨٤٦). وفي ١٨٤٨–١٨٤٩ ساند ماركس في ألمانيا الديمقراطية الثورية المتطرفة ولم يتراجع قط عما قاله حينذاك عن التكتيك. وكان يعتبر البرجوازية الألمانية بمثابة عنصر "كان يجنح منذ البداية إلى خيانة الشعب" (فقط التحالف مع جماهير الفلاحين كان بوسعه ان يتيح للبرجوازية بلوغ أغراضها كاملة) "وإلى إجراء مساومة مع الممثلين المتوجين للمجتمع القديم". وفيما يلي التحليل النهائي الذي أعطاه ماركس عن وضع البرجوازية الألمانية الطبقي في مرحلة الثورة البرجوازية الديمقراطية مع العلم أن هذا التحليل هو نموذج للمادية التي تنظر إلى المجتمع من حيث حركته وليس فقط من جانب الحركة المتجه نحو الماضي..."عادمة الإيمان بنفسها (اي البرجوازية الألمانية – المعرب) عادمة الإيمان بالشعب، متذمرة من الكبار، مرتجفة أمام الصغار... خائفة من الإعصار العالمي... فاقدة العزيمة في أي مكان منتحلة في كل مكان... دون مبادرة... كعجوز تنيخ عليه اللعنة محكوم عليه بحكم مصالح شيخوخته بقيادة الاندفاعات الفتية الأولى لشعب فتي قوي" ("الجريدة الرينانية الجديدة"، ١٨٤٨. انظر"التركة الأدبية"، المجلد الثالث، صفحة ٢١٢). وبعد زهاء عشرين سنة كتب ماركس في رسالة إلى انجلس (المجلد الثالث صفحة ٢٢٤) إن فشل ثورة ١٨٤٨ سببه أن البرجوازية كانت قد فضلت المسالمة مع العبودية على مجرد إمكانية الكفاح في سبيل الحرية. وعندما اختتمت مرحلة ثورات ١٨٤٨–١٨٤٩، هب ماركس ضد كل محاولة للعب بالثورة (النضال ضد شابر وويليخ) مصرا على معرفة العمل في المرحلة الجديدة التي تهيء ثورات جديدة تحت ستار "سلم" ظاهري. إن تعليق ماركس التالي حول الوضع في ألمانيا في ١٨٥٦ في مرحلة الرجعية الاشد اسودادا يبين باية روح كان ماركس يرغب في ان يتم هذا العمل: "سيتوقف كل شيء في المانيا على امكانية دعم الثورة البروليتارية ،بطبعة م، جديدة، لحرب الفلاحين" ("المراسلات" المجلد الثاني صفحة ١٠٨). وطالما لم تنته الثورة الديمقراطية (البرجوازية) في المانيا وجه ماركس كل انتباهه فيما يتعلق بتكتيك البروليتاريا الاشتراكية إلى تطوير طاقة الفلاحين الديمقراطية. وكان يعتبر ان موقف لاسال هو "موضوعيا خيانة للحركة العمالية في صالح بروسيا" (المجلد الثالث صفحة ٢١٠) وذلك بالضبط لان لاسال يتسامح مع الملاكين العقاريين والتعصب القومي البروسي. وقد كتب انجلس في ١٨٦٥ اثناء تبادل وجهات النظر مع ماركس بصدد مشروع بيان مشترك في الصحف يقول: "في بلد زراعي، من السفالة ان يصار باسم العمال الصناعيين إلى تسديد الضربة إلى البرجوازية فقط دون الاشارة إلى استثمار العمال الزراعيين على الطريقة البطريركية (الابوية) و"تحت ضربات العصى" من جانب النبلاء الاقطاعيين" (المجلد الثالث، صفحة ٢١٧). وفي الحقبة الممتدة من ١٨٦٣ إلى ١٨٧٠ حينما كانت مرحلة الثورة البرجوازية الديمقراطية في المانيا تشرف على نهايتها هذه المرحلة التي كانت تتنازع فيها طبقات المستثمرين في بروسيا والنمسا حول طرق انجاز هذه الثورة من فوق لم يكتف ماركس بشجب لاسال لمدعباته مع بيسمارك انما كان يصلح ايضا ليبكنخت الذي وقع في "حب النمسا" واخذ يدافع عن الخصائص المحلية. وكان ماركس يلح على انتهاج تكتيك ثوري يكافح بلا هوادة سواء بيسمارك ام محبي النمس، تكتيك لا يتكيف "للمنتصر"–اليونكر البروسي– بل يحدد النضال الثوري ضده فور، وبالضبط في الميدان الناجم عن انتصارات بروسيا العسكرية ("المراسلات"، المجلد الثالث، ص ص ١٣٤، ١٣٦، ١٤٧، ١٧٩، ٢٠٤، ٢١٠، ٢١٥، ٣١٨، ٤٣٧، ٤٤٠ – ٤٤١) وفي رسالة الأممية الشهيرة الصادرة في ٩ أيلول/سبتمبر ١٨٧٠، حذر ماركس البروليتاريا الفرنسية من انتفاضة قبل الأوان، ولكن عندما قامت هذه الانتفاضة مع ذلك (١٨٧١) حيا ماركس بحماسة المبادرة الثورية لدى الجماهير "التي تصعد لمهاجمة السماء" (رسالة ماركس إلى كوغلمان). ان هزيمة الحركة الثورية في هذا الوضع مثلها في العديد من الاوضاع الاخرى قد كانت من وجهة نظر مادية ماركس الديالكتيكية شرا اهون بالنسبة إلى مجمل سير النضال البروليتاري وبالنسبة إلى نتيجة هذا النضال من شر اخلاء الموقع للمحتل والاستسلام دون قتال ان مثل هذا الاستسلام كان من شأنه أن يثبط من معنويات البروليتاريا وان يقوض كفاحيتها. ان ماركس، مع تقديره التام لاستخدام وسائل النضال الشرعية في مراحل الركود السياسي وسيطرة الشرعية البرجوازية، قد شجب بشدة بالغة في ١٨٧٧–١٨٧٨ بعد سن القانون الاستثنائي ضد الاشتراكيين "الجملة الثورية" لدى موست. وحمل بنفس الشدة، ان لم يكن اكثر، على الانتهازية التي كانت قد استولت موقتا حينذاك على الحزب الاشتراكي–الديمقراطي الرسمي الذي لم يعرف كيف يعطي الدليل فورا على الثبات والصلابة والروح الثورية وكيف يظهر جوابا على القانون الاستثنائي استعداده للانتقال إلى النضال السري. ("المراسلات"، المجلد الرابع، ص ص ٣٩٧، ٣٠٣، ٤١٨، ٤٢٢، ٤٢٤. [٧]. راجع ايضا رسائل ماركس إلى سورجي).



(*) المناشفة: اتجاه انتهازي في الحركة الاشتراكية–الديمقراطية الروسية.

(١) الهيغيليين اليساريين أو الهيغيليين الشبان: اتجاه مثالي في الفلسفة الألمانية في ثلاثينات وأربعينات القرن التاسع عشر. حاول الهيغيليون الشبان الخروج بنتائج راديكالية لاثبات ضرورة الاصلاح البرجوازي في ألمانيا. وكان زعماء ذاك الاتجاه: دايفيد ستراوس الأخوة باور ماكس ستيرنر وآخرون. ولوقت ما انضم فيورباخ وكذلك ماركس وانجلس في فترة شبابهم إلى الهيغيليين الشبان. وانفصل ماركس وانجلس فيما بعد عنهم وانتقدوا الفحوى المثالي والبرجوازي الصغير للاتجاه في "العائلة المقدسة" (١٨٤٤) و"الايديولوجيا الالمانية" (١٨٤٥–١٨٤٦).

(٢) "لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية"، فيريديريك انجلس.

(٣) "الجريدة الرينانية للسياسة والتجارة والصناعة": جريدة يومية ظهرت في كولونيا من ١ جانفي ١٨٤٢ إلى ٣١ مارس ١٨٤٣. أسسها ممثلون عن البرجوازية الرينانية الذين كانوا يعارضون الاستبداد البروسي. وقد تم استدعاء بعض الهيغيليين اليساريين للاسهام في الجريدة. وأصبح ماركس متعاونا في أفريل ١٨٤٢ وأحد محرريها منذ أوكتوبر من نفس السنة. وتحت اشراف ماركس أصبحت "الجريدة الرينانية" تتخذ صبغة ديمقراطية ثورية. وفي جانفي ١٨٤٣ أصدرت الحكومة البروسية أمرا باغلاق الصحيفة في ١ أفريل ١٨٤٣ وفي نفس الوقت فرض رقابة خاصة مشددة.

(٤) لم يقع ادراج هذه "البيبلوغرافيا" التي كتب لينين لهذا المقال.

(٥) المرجع هو مقال ماركس "تبرير مراسل الموزال".

(٦) المرجع هو "الحوليات الألمانية–الفرنسية". مجلة أشرف على تحريرها كارل ماركس وارنولد روج وصدرت بالألمانية في باريس. ولم يظهر منها إلا العدد الأول – عددا مزدوج– في فيفري ١٨٤٤. وقد تضمنت أعمالا لكارل ماركس وفردريك انجلس التي سجلت الانتقال النهائي لماركس وانجلس نحو المادية والشيوعية. وتوقف اصدار المجلة نتيجة اختلافات جوهرية بين ماركس والبرجوازي الراديكالي روج.

(٧) "مساهمة في نقد فلسفة الحق لهيغل– المقدمة". كارل ماركس.

(٨) البرودونية هي اتجاه برجوازي صغير في الاشتراكية معادي للماركسية وتسمى بذلك نسبة لمفكرها الفوضوي الفرنسي جون بيار برودون. فقد انتقد برودون الملكية الكبيرة الرأسمالية من موقع برجوازي صغير وحلم بارساء ملكية خاصة صغيرة. واقترح انشاء بنوك "الشعب" و"التبادل" يكون بامكان العمال بواسطتها امتلاك وسائل الانتاج وأن يصبحوا حرفيين ويضمنوا تسويقا عادلا لانتاجهم. لم يدرك برودون الدور التاريخي للبروليتاريا وأبدى موقفا سلبيا من الصراع الطبقي والثورة البروليتارية وديكتاتورية البروليتاريا. وكفوضوي أنكر الحاجة إلى الدولة. وقد وجه ماركس نقدا حادا لبرودون في عمله "بؤس الفلسفة".

(٩) العصبة الشيوعية هي أول منظمة شيوعية أممية للبروليتاريا بقيادة ماركس وانجلس تأسست في لندن في أوائل شهر جوان ١٩٤٧. وساعد ماركس وانجلس في وضع البرنامج العملي والتنظيمي للعصبة. فكتبا "بيان الحزب الشيوعي" الذي نشر في فيفري ١٨٤٨. كانت العصبة الخليف لجمعية العمال العالمية (الأممية الاولى) التي تواجدت إلى حدود نوفمبر ١٨٥٢. ولعب زعماؤها البارزين بعد ذلك دورا قياديا في الأممية الأولى.

(١٠) إشارة إلى الثورة البرجوازية في فرنسا في فيفري ١٨٤٨.

(١١) إشارة إلى الثورات البرجوازية في ألمانيا والنمسا التي بدأت في مارس ١٨٤٨.

(١٢) "الجريدة الرينانية الجديدة" صدرت في كولونيا من ١ جوان ١٨٤٨ إلى غاية ١٩ ماي ١٨٤٩. وقد اشرف ماركس وانجلس على إدارة الجريدة وتولى ماركس رئاسة التحرير. ووصف لينين "الجريدة الرينانية الجديدة" بأنها أروع وأفضل ناطق باسم البروليتاريا الثورية" وبرغم الاضطهاد والعراقيل التي وضعها أمامها البوليس دافعت الصحيفة بقوة وثبات عن مصالح الديمقراطية الثورية ومصالح البروليتاريا. وبسبب ابعاد ماركس عن بروسيا في ماي ١٨٤٩ واضطهاد المحررين الآخرين توقفت الجريدة عن الظهور.

(١٣) إشارة إلى المظاهرة الجماهيرية في باريس والتي نظمها "المونتاني" – حزب البرجوازية الصغيرة– احتجاجا على خرق الرئيس والاغلبية في الجمعية التشريعية للأوامر الدستورية التي وضعتها ثورة ١٨٤٨. وتم تفريق المظاهرة من قبل الحكومة.

(١٤) إشارة إلى كراس ماركس "هار فوغت" التي كتبها كرد على منشور افتراء "سيرورتي ضد 'جريدة ألمانية'" لفوغت وهو رجل استفزازي بونابرتي.

(١٥) كانت "جمعية العمال الأممية الأولى" أول اتجاه عالمي ضم أحزاب العمالية من العالم في حزب عالمي واحد موحد.

(١٦) الباكونية هي اتجاه يعود إلى زعيمها ميخائيل باكونين وهو مفكر للفوضوية وعدو للماركسية والاشتراكية العلمية.

(١٧) انظر "العائلة المقدسة"، القسم الثامن، لماركس وانجلز.

(١٨) "رأس المال"، ماركس وانجلز، المجلد الأول.

(١٩) "ضد دوهرينغ"، فريديرك انجلز.

(٢٠) الغنوصية هي فلسفة مثالية تقر بأنه لا يمكن إدراك العالم وأن عقل الإنسان محدود وليس بمقدوره معرفة ما يتجاوز مملكة الحواس. وللغنوصية أشكال مختلفة: فيقر بعض الغنوصيين بالوجود الموضوعي للعالم المادي ولكنهم ينكرون إمكانية معرفته وينكر آخرون بوجود العالم المادي بحجة أن الإنسان لا يمكنه معرفة ما إذا يوجد شيء ما خارج حواسنا. نقد – أطلق كانط هذا الاسم على فلسفته المثالية معتبرا القدرة الادراكية للإنسان هي الهدف من تلك الفلسفة. نقدية كانط قادته إلى الاقتناع بأن عقل الإنسان لا يمكنه معرفة طبيعة الاشياء. الفلسفة الوضعية – نزعة واسعة الإنتشار في الفلسفة البرجوازية وعلم الاجتماع. أسسها الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي كونت (١٧٩٨–١٨٥٧). يرفض الوضعيون إمكانية إدراك النظم والعلاقات الداخلية وينكرون كذلك دور الفلسفة كمنهج للمعرفة وتغيير العالم الموضوعي. فهم يختزلون الفلسفة في حصيلة من المعطيات توفرها مختلف فروع العلم ووصف سطحي لنتائج الملاحظة المباشرة. تعتبر الوضعية نفسها أنها "فوق" المادية والمثالية إلا أنها في الواقع هي ليست إلا نوع من المثالية الذاتية.

(٢١) "لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية" لفريدريك انجلز.

(٢٢) "ضد دوهرنغ" لفردريك انغلز.

(٢٣) "لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية" لفردريك انجلز.

(٢٤) "ضد دوهرنغ" لفريديرك انجلز.

(٢٥) "لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية" لفريدرك انجلز.

(٢٦) انظر "رأس المال" لكارل ماركس، المجلد الأول.

(٢٧) "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" لكارل ماركس (١٨٥٩).

(٢٨) الاستعادة – الفترة بين ١٨١٤ و١٨٣٠ في فرنسا عندما كانت السلطة في البوربون واعيدت إلى العرش بعد قلب نظام الحكم من قبل الثورة البرجوازية الفرنسية في ١٧٩٢.

(٢٩) انظر الأعمال الكاملة لماركس وانجلس، المجلد الأول، موسكو ١٩٧٣، الصفحات: ١٠٨–١٠٩ و١١٦ و١١٧–١١٨.

[١] التشارتية: أول حركة ثورية جماهرية للعمال البريطانيين في ثلاثينات وأربعينات القرن التاسع عشر. قدم التشاريون عريضتهم للبرلمان تحت اسم "عقد الشعب" وكافحوا من أجل المطالب الواردة في العقد: الاقتراع العام إلغاء أهلية الملكية بالنسبة للمترشحين للبرلمان الخ. وقد انتظمت اجتماعات ومظاهرات جماهيرية ضمت الملايين من العمال والحرفيين في كامل انحاء البلاد امتدت لسنوات. ٣٢. الاشارة هنا إلى الانتفاظة الديمقراطية للتحرر الوطني في جمهورية كراكاو التي وضعت سنة ١٨١٥ تحت السيطرة المشتركة للنمسا وبروسيا وروسيا. قام المتمردون بتكوين حكومة وطنية اصدرت بيانا يعلن الغاء الخدمات الاقطاعية ويعد الفلاحين باراض بدون سداد الدين. وفي بيانات اخرى اعلن عن انشاء ورشات وطنية باجور عالية وادراج حقوق متساوية لجميع المواطنين. الا ان الانتفاظة قمعت بسرعة.

كتب: في جويلية–نوفمبر ١٩١٤
نشر لأول مرة: عام ١٩١٥ في الموسوعة الكبرى، الطبعة ٧، المجلد ٢٨
مصدر النسخة العربية: www.marxist.com
الصياغة الالكترونية لأرشيف الماركسيين: وجدي حمدي (فيفري ٢٠٠٤)


Source: Marxists Internet Archive
lenin.public-archive.net #L2257ar.html